ابن قيم الجوزية

281

الروح

وبين تحريكها زمان على قدر حركة الجسم وثقله ، فإن النفس هي المحركة للجسد والممهد لحركته ، فلو كان المحرك للرجل جسما فإما أن يكون حاصلا في هذه الأعضاء أو جائيا إليها ، فإن كان جائيا احتاج إلى مدة ولا بدّ ، وإن كان حاصلا فيها فنحن إذا قطعنا تلك العضلة التي تكون بها الحركة لم يبق منها في العضو المتحرك شيء ، فلو كان ذلك المتحرك حاصلا فيه لبقي منه شيء في ذلك العضو . الخامس عشر : لو كانت النفس جسما لكانت منقسمة ، ولصح عليها أن يعلم بعضها كما يعلم كلها ، فيكون الإنسان عالما ببعض نفسه جاهلا بالبعض الآخر وذلك محال . السادس عشر : لو كانت النفس جسما لوجب أن يثقل البدن بدخولها فيه ، لأن شأن الجسم الفارغ إذا ملأ غيره أن يثقل به كالزق الفارغ والأمر بالعكس ، فأخف ما يكون البدن إذا كانت فيه النفس وأثقل ما يكون إذا فارقته . السابع عشر : لو كانت النفس جسما لكانت على صفات سائر الأجسام التي لا يخلو شيء منها من الخفة والثقل والحرارة والبرودة والنعومة والخشونة والسواد والبياض وغير ذلك من صفات الأجسام وكيفياتها ، ومعلوم أن الكيفيات النفسانية إنما هي الفضائل والرذائل لا تلك الكيفيات الجسمانية ، فالنفس ليست جسما . الثامن عشر : أنها لو كانت جسما لوجب أن يقع تحت جميع الحواس أو تحت حاسة منها أو حاستين أو أكثر ، فإنا نرى الأجسام كذلك ، منها ما يدرك بجميع الحواس ، ومنها ما يدرك بأكثرها ، ومنها ما يدرك بحاستين منها أو واحدة ، والنفس بريئة من ذلك كله ، وهذه الحجة التي احتج بها جهم « 1 » على طائفة من الملاحدة حين أنكروا الخالق سبحانه وقالوا : لو كان موجودا لوجب أن يدرك بحاسة من الحواس ، فعارضهم بالنفس وأنى تتم المعارضة إذا كانت جسما وإلا لو كانت جسما لجاز إدراكها ببعض الحواس . التاسع عشر : لو كانت جسما لكانت ذات طول وعرض وعمق وسطح وشكل ، وهذه المقادير والأبعاد لا تقوم إلا بمادة ومحل ، فإن كانت مادتها ومحلها

--> ( 1 ) أي جهم بن صفوان .